الأصوات
قصة وعبرة
استيقظ مصطفى آتشي مساء يوم الاثنين،
لم يظهر على وجهه خطب أو عرض
يحدّث به الناس عن الفاجعة التي ألمّت
به منذ أشهر.
استغرب الممرضين ذلك، اختفى الشحوب
وتلاءمت الجروح، ولولا شروده لقيل
أنه استيقظ من قيولة.
قال الطبيب الذي أشرف على حالته،
يخاطبه بشيء من اللطف والحذر:
"هل تتذكر شيء من الذي حدث معك؟"
اومأ مصطفى برأسه، لا يزال يحدّق
في السماء عبر نافذة الغرفة الضيقة
"لقد سقطتُ من المبنى الذي كنت مشرف
عليه."
ابتسم الدكتور وأشرقت عيناه: "هذا رائع،
أنت تتذكر ما كنت عليه قبل الحادث.
مهندس سقط من البناية أثناء زيارة عمل"
واختفى الكلام بعد ذلك في دقيقة صمّاء.
"لقد كنّا ننتظر كسور خطيرة، لكنها
لم تحدث، أو جروح بليغة، نزيف حاد
أو أكثر من ذلك، لكنك نجوت من كل
ما سبق، إنك شخص محضوض يا مصطفى
لولا الغيبوبة التي دخلت فيها."
صمت الطبيب عند أهمّ كلمة، انتظر مع
بقيّة الممرضين كيف ستكون استجابة
المريض، هل سيكون هناك داع لاستخدام
المهدئ، أم لاستدعاء طبيب نفسي مختص؟
لكن استجابة مصطفى كانت في غاية الهدوء
فقال: "أجل، لدي علم بأنني كنت نائم هنا
لفترة غير طبيعية."
سألت إحدى الممرضات بتطفل شديد:
"وكيف تعلم هذا؟"
"من الأصوات،
لقد
سمعت كلّ ما دار في المشفى
طيلة هذه الشهور." أجاب المريض.
وبعد يومين غادر مصطفى
بعد أن تعثر الطبيب في ايجاد حجّة يقابل
بها إلحاح صاحب الثلاث والأربعون عاما.
حمل مصطفى حقيبة سفره ذات يوم وودع
زوجته وأولاده قائلا: "سأغيب لفترة
قصيرة،
لا داع للقلق عليّ."
وحين سألته زوجته عن وجهته أجابها
بأنه متجه نحو الأصوات.
سار الرجل يومين يسأل عن بيت
امرأة تسكن في منطقة نائية قرب الجبل.
لم يتعرف أحد على اسم المرأة، ولم يكن
مصطفى يعرف أسماء أبنائها، ولا لقب
زوجها، فزاده هذا مشقة.
وحين جلس في المقهى يزوّد جسمه
بالطاقة، جلس إلى جانبه كهل هزيل
يشدّ على عصاه بقوة.
قال الكهل: "سمعتُ أنك تسأل عن فلانة،
فمن أين تعرفها؟"
أشاح مصطفى بعينيه ووضعها أسفل المائدة
قال إنها ابنة خالتي التي كان والدها فقيرا
ووالدي غنيا، والتي لم اتذكر رحمها يوما."
فسأل العجوز مجددا: "وما ذكّرك بها
الآن؟"
-لقد سمعت صوتها وأنا في الغيبوبة حين
سُئِل: أوليس له رحم يدعون له؟
خرج مصطفى ثانية باتجاه الأصوات
كما كان يقول.
سار هذه المرة في المدينة يسأل عن رجل
كان يعمل في البناء.
وحين
وجده اخفى وجهه في الظلام من شدّة
الخجل، ومدّ يده مقدّم للرجل أموالا.
وهو يقول: "جئت لأسدّ ديني، فما دفع
عنّي الدعاء إلّا دعوة مظلوم ظلمته في
حقّه."
سار في اليوم الثالث نحو صوت
ممرضة كانت تشرف عليه من وقت للآخر.
وبعد التحيّة سأل عن حالها في نفس الجملة
التي بررت سبب زيارته: "لقد كنتِ تقولين
لزملائك لو كان فاعل خير لنجّاه الله
منها،
لأن الله لا ينسى من أعان عبدا من عباده،
وقد كنتِ محقة فلم أكن من أولئك الأخيار،
لكنني والحمد لله
تشتكين عن سوء معيشتك،
عن حال منزلك الهشّ،
والأوضاع المزرية التي يتخبط فيها ابنائك،
فجئت إليك حاملا صوت الخير الذي ايقظته
فيّ."
في اليوم الذي تلاه خرج مصطفى رفقة
أبنائه، وذهبوا جميعهم إلى المستشفى
ليتفاجأ الأبناء برؤية البهجة والسرور
التي ارتدتها المصحة كان الجميع هناك
يضحكون ويغنون لأطفال السرطان.
جاء أحد المرضى وصافح مصطفى
وقبله ثم شكره على هذا التبرع.
وحين التقت عين الاب المبتسمة بعيون
صغاره أخبرهم بأنه سمع صوت السعادة
والفرح ممزوج بالتبرعات. وحكى لهم
عن الحادثة التي وقعت اثناء نومه
رجل تبرع لمريض بمبلغ
قال أن صوت الفرح في ذلك اليوم
ملئ المشفى بأكملها وأشرقت له قلوب الجميع.
وفي اليوم السادس خرج رفقة عائلته في رحلة
نحو الشاطئ جلس هناك بين البساطة وقال
لقد سمعت أصوات كثيرة أدركت من خلالها
جوهر الحياة، سمعت صوت الله ومحبته
حين استمعت إلى أم تأنّ على فراق ابنها
وولد يودع والده، حين تألم الرجل لفقد
ساقه، وصاحت امرأة وابنائها في منتصف
الليل تبحث عن مكان للمبيت.
فعلمت أنني مقصر في الحمد.
هذه هي الأصوات التي ايقظتني، وكم اتمنى أن توقظكم
صوت يتحدث داخلنا لكننا لا نستمع
إليه لأننا في غيبوبة،

👏👏👏👏👏👏🥰🥰🥰
ردحذف🥰🥰🥰
ردحذف