قرية صغيرة
أعيش في منزل غريب،
يقع في قرية صغيرة أغرب منه،
تعالوا لأحكي لكم عنها قليلا.
استيقظتُ في الصباح الباكر على اهتزاز
سريري، وكأن زلزالا قويا اختار
منزلي بؤرته ليحيا منه.
فغادرتُ الغرفة مسرعا بحثا عن سبب
الاهتزاز العنيف، لكنني لم أتبيّن مصدره
بسبب والدتي التي التقيتها في الفناء وطلبت
منّي احضار علبة الإسعافات الأولية، فسِرتُ
خلفها متطلعا لسبب هذه المهمة في هذا الوقت
الباكر،
فوجدت والدي مصابا وقد غطّت الدماء وجهه،
درتُ البيت كلّه وأنا أتساءل
عن المصيبة التي حلّت بأبي، أخبرونني أنّ
جماعة مسلحة قد اعترضت طريقه بعد صلاة
الفجر، وحين استفسرتُ عن مُراد الجماعة
لم اتحصل على إجابة مقنعة.
تابعت طريقي بحثا عن سبب الاهتزازات العنيفة
لكن جدّتي سدّت طريقي وشدّتني
وهي تقول بصوت يختبأ من الجميع:
ألم تُعلمكم المدارس عن كيفية إنزال
المطر؟
فتحت فمي أمامها، وحاولت استيعاب
فكرتها لكنني لم أستطع، فنجحت في تعجيزي
ككل الأوقات.
لكن هذه المرة كانت جدتي تبدوا أكثر حيرة وحزن
من أي وقت مضى أخبرتني بكلمات متقطعة،
أن
الجفاف قد أهلك قطعة الأرض التي نملكها،
وإن استمر الوضع هكذا ستعاني القرية
من مجاعة مخيفة.
انظم جدّي إلى الحوار وقد تطايرت الكلمات
من فمه بنبرة عالية وكأنه على وشك
الدخول في شجار، اخبرني بأنّ الغزو قد
اقترب، وأن القرية ستتدمر. صمت
ثم أشار إلى أمور أكثر أهمية من المجاعة.
وجدت شقيقي الأكبر جالسا على الدرج
واضعا رأسه بين كفّيه، سألته عن
سبب حيرته:
"هل تفكر في مصدر الاهتزازات
أيضا؟"
لكنه اخبرني بأنّ له أمورا أهمّ لينشغل بها،
يريد أن يفاتح والداي بشأن حفل زفافه.
لكن مع كل هذه المواضيع التي تحيط بنا
لا يعرف سبيلا لذلك.
لم يسعني قول شيء، لكن شقيقي الأوسط
لم يتردد في دخول النقاش بصلابة
فوصف أخانا بالأناني، ولبّسه صفة النفاق.
فسارا في شجار لا نهاية له، استعمل
أخي الأكبر حجّته في الحرية، وحقّه في
العيش، بينما واجه شقيقه الأصغر تلك
الحجج بالدّين.
ركضت مسرعا حين بدأ الجدال بالألسنة يأخذ
مجرى آخر، يتطلب تدخل صندوق الإسعافات.
سمعت صوتا يناديني خارج البيت، فعدوت
باتجاهه، كان جارنا السيد كمال جاثيا
على قدميه يبكي بعد اشتعال النار في
بستانه.
ضممت يديّ الصغيرتان إلى بقية الأيدي
لإطفاء النار، فتسللت الابتسامة، والمزح
إلى الجوّ النكدِ الذي أحاط بنا.
تلقيت ضربة على رأسي من الابن
البكر للسيد كمال التفتُّ إليه
فسألني
عن مباراة الليلة،
أخبرته أنني متحمس لها،
لكنه غاص في شكليات لم أقدر على فهمها.
"لماذا يحلّ الجميع مكان المدرب قبل
أي مباراة؟"
التقيتُ وأنا في طريقي إلى البيت بشقيقتي
الصغرى مع صديقتها، وقد كانتا متحمستان
للدخول المدرسي، حتّى مرّا ببعض الشباب
فأخبراهما أن الدراسة لن تبني لهما مستقبلا.
لم يفهما هذه المعلومة، فتساءلت إحدى البنتين
هل هذا يعني أنّ علينا التوقف عن الذهاب
للمدرسة؟
وعلينا أن نبقى في البيت ونتزوج كأمهاتنا؟
فسمعت شابة جميلة هذا الكلام وأسرعت إليهما،
ثم نبّهتهما بشأن هذه الأفكار التي يزرعها
الرجال.
وفي طريقي لمحت الجارة سمية وجارتها رياب
ولازالتا يتشاجران حول الطبق الأصفر
وكل واحدة منهما تقول أنه ملك لها.
وفي البيت وجدت أن أصدقاء اخي الأكبر
قد عادوا للسهر عندنا، جلست معهم فجولوني بين
السلع الرائجة، ومن هو المشهور الذي أسرع
في اقتنائها لنقتدي به.
كان ذلك الوقت المناسب ليبدأ الصداع
جولته الليلية في رأسي،
ذهبت إلى أمي واخبرتها
اتسعت حدقتا عينيها، واصفرّ وجهها
صاحت: "أخشى أنك قد أصبت به، الفيروس
اللعين، سأسأل والدك إن كان عليك أخذ
اللقاح"
"لا يا أمي، لم أصب به، كل هذا من كثرة
الأحداث."
ذهبت واستلقيتُ على السرير، وما إن غفوت
حتّى عاد الاهتزاز من جديد.
فصحت بغضب عارم:
ماذا هناك ألن أستطيع النوم أيضا؟
فسمعتُ صوت أخي الذي كان ينام بجواري
يقول: "إنه صوت هاتفك، يهتزّ منذ المساء
يريد أن يطلعك بأخبار العالم."
هذه القرية الصغيرة مبنية في عقولنا
بعد أن تطورت تقنيات الاتصال، أصبحنا نعيش في تشتت وضياع
لا نستطيع إلّا وأن نتأثر بتلك الاخبار مبتعدين عن الخصوصية
وحياتنا الخاصة.
قصة من تأليفي بقلم ho.hana

👏👏👏👌👌❤
ردحذف♥️♥️♥️🔥🔥
ردحذف😍👍👏👏👏
ردحذف