القائمة الرئيسية

الصفحات

 الرحلة

 قصة 

ارتديت فستانا أسود بسيط، لا يحمل أي تفاصيل

 

وكان هذا ما يميزه، قماش يسبح في اللون الأسود،

 

وضعت على رأسي وشاح أحمر وحملت حقيبة

 

لم أضع فيها سوى أهم الأشياء التي تمكنني من

 

ركوب الرحلة.


trip


 

ومضيتُ نحو المحطة، كانت الساعة تشير

 

إلى العاشرة ليلا، سكن السكون أجواء المدينة

 

للحظة ظننت أنني آخر من تبقى فيها، أنا وحقيبتي

 

البسيطة التي تُثقل حركتي رغم خفّتها.

 

وقفت انتظر وصول الحافلة، 


لا أعلم لما بتُّ قليلة صبر هكذا،

 

فأنا على وشك أن أبيت فيها لأكثر

 

من إحدى عشر ساعة، فالرحلة كانت طويلة،

 

من ولاية الجنوب إلى العاصمة في الشمال.

 

وصلت الحافلة بعد نمو الجذور تحت قدمي،

 

اخترت مكانا لا هو في مقدمتها ولا مؤخرتها،

 

لكن بالتأكيد بجانب النافذة.

 

امتلأت الحافلة، لكنها لم تنطلق بعد، لازال

 

السائق يودّع أصحابه بنكت ووعود بمشاوير

 

يوم عودته.

 

وحين قرر الإفلات بعجلاتها وتركها تتحرك،

 

خطفني النعاس من توديع المدينة.

 

استيقظت على صوت المؤذن، ينادي على صلاة

 

الفجر، توقف السائق قليلا، اقتربت عقارب الساعة

 

لتُشير إلى الرقم خمسة.

 

نزل الركاب المستيقظين، غسلت وجهي بقارورة

 

الماء الذي تعرق من كثرة الهزّ.

 

وبعد الصلاة، جلست اتأمل لحظة الشروق.

 

لا أعرف أين نحن بالتحديد، ولا اسم الولاية التي

 

ستصيبها أشعة الشمس، لكن المنظر كان يستحق

 

الترقب، جبال واشجار تحيي الجميع.

 

بعد أن أصبحت الساعة السابعة، توقفنا مجددا

 

وتناولنا فطور خفيف في مقهى متواضع وحيد،

 

أراد صاحبه أن يتخلص من صوت السكوت بإشعال

 

التلفاز.

 

سطع الشريط الأحمر على الشاشة الصغيرة

 

يخبرنا بما حدث حين كنّا نيام.

 

عاجل: انفجار قنبلة في العاصمة.

 

والخطّ الذي عدّد الضحايا والمصابين كان

 

أقلّ غلظة.

 

بينما توجهت أيادي جميع من حولي إلى

 

هواتفهم، يطمئنون على أحبائهم، بقيت

 

أشاهد تلك الصور، امرأة تندب حظها،

 

ورجل لم يتوقف للشاشة وقرر الهرب حاملا ابنته

 

على ظهره، صغار يبكون، ومذيع شُلّت حركته.

 

كانت النيران ملتهبة، لكن لا يمكن ملاحظتها

 

فالسؤال على الشاشة سرق تفكير الجميع:

 

"هل سيكون هناك انفجار آخر في الساعات القادمة؟"

 

عدنا إلى الحافلة فورا، لازال البعض يصرّ على

 

هاتفه لإجراء المكالمة، وجلس الآخرون وقد اختفت

 

ملامحهم.

 

وبعد أن تحركت الحافلة، بقينا ننظر من النافذة إلى أن

 

علا صوت من ورائي، رجل يصرخ بغضب:

 

"لماذا لم تُدر العجلات حتّى الآن؟"

 

كان يُطالب بالعودة إلى الجنوب.

 

وافقته امرأة كانت تجلس بجانبه: "لا تقل لي

 

أنك متوجه إلى العاصمة ألم تقرأ الاخبار؟"

 

توقفت الحافلة هناك، في مكان لا يحمل اسم

 

على الخريطة، مجرد طريق سريع لا غير.

 

قال السائق: "أمّا أنا فسأكمل الطريق."

 

وفتح الباب لمن يريد المغادرة.

 

غادر بعض الأشخاص قال أحدهم لقد كنت

 

ذاهب إلى العاصمة من أجل الاستمتاع بماء البحر.

 

وأومأ بعض الشباب يؤيدونهم مفصحين عن رأيهم:

 

"لن أعرّض نفسي للخطر من أجل لحظة استمتاع."

 

وهكذا كانت المتعة اول من غادر الرحلة.

 

أشعل أحد الركاب الراديو في هاتفه: كان يتحدث

 

عن مأساة العاصمة بالتأكيد، أناس تنوح، مذيع يصف

 

الانفجار بكل تفاصيله، أحدثت كلماته قشعريرة في جسدي،

 

وقالت مقدمة الحصة أن الجميع يريدون الفرار.

 

كانوا يهربون بينما كنّا نتوجه إليها بأقدامنا.

 

توقفت الحافلة مجددا بعد إصرار من طائفة أخرى:

 

"أنا يا بني خرجت للتسوق، لدي حقل صغير تأكل منه

 

عائلتي طيلة الشتاء، ولكن الأسمدة وبقية الأدوات قد

 

انتهت صلاحيتها، فاتجهت في هذه الرحلة لأحصل

 

على طعام أطفالي حين تهب عاصفة الشتاء،

 

لكنني لا أظن أن التلذذ في الطعام يغني عن حياتي."

 

وهكذا نزلت أمتعة الحياة من الحافلة.

 

ولم يمضي أكثر من ربع ساعة، حتى اتفق نسوة

 

على النزول قائلين: "كنّا متوجهات إلى جنازة ابن

 

عمّنا الذي توفي بحادث سيارة رفقة ابنه وزوجته

 

لكن الذهاب إلى قبرهم يمكن أن يتسبب في حفر قبرنا

 

فلا داع لصلته."

 

واختفت الارحام من القطار.

 

 

بعد فترة اصبحنا نسير لوحدنا على الطريق

 

المتجه للعاصمة، وعلى عكسه كان الطريق

 

الموازي مكتظ خلق عرقلة في السير، خرج

 

سكانه من عرباتهم ينظرون إلينا باستغراب،

 

كان أحد الرجل يسوق سيارته بصعوبة بعد أن تعرض

 

لجرح بليغ في ذراعه.

 

"أنا ذاهبة إلى هناك من أجل وظيفة، لكنني ما عدّت

 

بحاجة إليها توقف."

 

واختفت الرغبات.

 

أصبح الطريق الذي نسير عليه مزدحم فجأة

 

لكن بسيارات الإسعاف والشرطة، مهللة تزغرد

 

كي نفسح لها المجال.

 

توقف السائق دون أن يطلب منه  أحد ذلك قال:

 

 "سنصل قريبا، انظروا إلى هناك، إلى الدخان المتصاعد،

 

أستطيع سماع عويلهم، لا أريد اجبار أحد على مقاومة نفسه

 

من يريد النزول فالآن هي المحطة المناسبة."

 

غادر أولا شاب يحمل بسمة، كان يريد أن يوزعها على

 

الايتام، طلّ زي المهرج من حقيبته منكسرا.

 

ودعنا الاجتهاد والقلب السليم

 

ينزل رجل يحمل كيسا صغيرا، يريه لنا

 

جميعا ويقول اشهدوا بأنني وصلت إلى هنا

 

لتأدية الأمانة.

 

فتنزل الاخلاق.

 

ينهض رجل وفتاة في نفس الوقت تقول هي:

 

لم أستطع تحقيق حلمي في أن أصبح سباحة في

 

الجنوب ففتحت العاصمة أحضانها لموهبتي،

 

لكنني خائفة."

 

وأضاف هو: "إن صديقي على فراش الموت وكنت

 

أريد أن أغسله بيدي"

 

كانت هذه لحظة تخلي الحلم والصداقة عن الرحلة.

 

نظر السائق إلينا كنّا ثلاثة فقط، صاح:

 

"هل أنتم متأكدون؟"

 

قال رجل: أنا ذاهب لأرث مبلغ كبير من المال"

 

كانت عيناه اول من تكلم 


وردّت امرأة  لحظة تقبيلها جبين ابنها:

 

"إنّ زوجي ينتظرنا هناك"

 

لكن حين اقتربنا من العاصمة أكثر،

 

 اختفت العناصر والطرقات وراء الدخان.

 

فأصرّ المال والحبّ على النزول.

 

وأنا التي كنت أريد رؤية العاصمة بأي ثمن 


نزلت معهما.

 

أمّا السائق فقال: لا يمكنني العودة، اليوم الجمعة ولا

 

يمكنني تفويت صلاة الجمعة مع ابني وأبي.

 

 

وصل الايمان ووصلت العائلة.


وانتهت الرحلة.


قصة بتأليفي وقلمي ho.hana


انتظر تعليقاتكم.


 

 


تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  1. لا أملك الكلمات لوصف مدى جمال و روعة معاني هذه اللوحة الفنية 🥰🥰🥰🥰❤️❤️❤️❤️

    ردحذف

إرسال تعليق