القائمة الرئيسية

الصفحات

جريمة الطبيب 

قصة وعبرة 


لماذا نُعطي الأشياء أهمية أكبر مما تستحق؟


لما الحزن؟ ولما يقع الأشخاص في فخ

الاكتئاب سريعا، رغم أن المشكلة يُمكن

أن تُحل؟

يرسب تلميذان في الاختبارات، فيسقطان

ويعيدان السنة، فتجد أن الأول قد استسلم

وحكم على نفسه بأنه شخص فاشل لن

يسند ظهره سوى على جدران الشوارع، أمّا

التلميذ الثاني فقد قرأ العنوان بعين شاخصة:

"أعاد السنة أي فرصة ثانية"

القصة

 


كان الدكتور في عيادته على الساعة العاشرة

صباحا، ورغم الملل والضجر فقد كان

يستنشق ذرّات الامل بين اختفاء مريض

وقدوم آخر، كان الامل يتسلل إليه من فكرة

بسيطة متواضعة تُذكره بأن اليوم هو آخر يوم

في الأسبوع ومن ثمّ ستبدأ إجازته، الشاطئ

والتخييم مع الأصدقاء والعائلة في انتظاره،

 لم يبقى الكثير، فكر في هذه العبارة ثم

رفع سماعة الهاتف وسأل الممرضة

خارجا: "كم عددهم الآن؟" أجابت الممرضة

وقد أرهقها السؤال: 

"يمكنني أن أرى ثلاثة أشخاص،

ينظرون باتجاه مكتبك كل دقيقة، لعلك تستجيب

لاستغاثتهم الصامتة."

أقفل الطبيب الكلام، كان قد تعوّد

على لسان الممرضة الحدّ، لكن رغم

ما يعانيه معها لا يستطيع طردها.

دخل المرضى المتبقيين، واحدا وراء

الآخر، ولعبوا دور المعاين داخل الغرفة

تأمل المرضى في حالة الدكتور المضطربة

يبتسم تارة ويتنهد تارة أخرى يتفحص

ساعته وينظر عبر النافذة ليطل على الرواق

وكأنه ينتظر أحدهم.

كانت إحدى المريضات وهي سيدة في الستينات

قد أتت للفحص رفقة ابنها الأكبر وكان هذا

الأخير صاحب السادسة والعشرين ينتظر

والدته في السيارة خارجا. وبعد طول انتظار

عادت الام، فصدر منها صوت يُعلق على

حالة الطبيب المضطربة، الغير متجانس لونها.

فابتسم الابن وهو يضمّ الوصفة الطبية إلى صدره.

 


بعد خمسة عشر يوم فتح الدكتور هاتفه الذي

اطفأه منذ تولّيه السلطة على حياته، اندهش من

عدد المكالمات والرسائل التي تترجاه أن يفتحها

حدث كل هذا بعد أول خطوة خطاها الرجل خارج

السيارة متجها إلى عشّ بيته، 

لا يزال يرتدي قميصا صيفي أخضر اللون

وسروال قصير يمتدّ إلى ركبتيه ثم ينتهي القماش

الأبيض، لم يقدر الدكتور على أن يخطو

خطوة إضافية نحو بيته الذي يصرخ فرحا،

طفليه التوأم اللذان سيبلغان الخامسة الأسبوع

المقبل يتجادلان مع والدتهما حول نوعية الحفل،

قال أحد الأطفال لأبيه وهو يركض إليه

ليعانق خصره: "أريد أن تكون هديتي رحلة

كهذه لقد كانت الأفضل." ابتسم الاب لابنه

فقرأ هذا الأخير الابتسامة وكأنها وعد.

جلس الدكتور في سيارته يقرأ مجموعة

الرسائل المتراكمة، وكانت جميعها قد

كُتبت بقلم الممرضة في عيادته:

"يجب أن تجيب على هاتفك فورا"

"إن الامر لا يقبل التأجيل"

وحين اكتشفت الممرضة أن هذه الرسائل

لن تجدي نفعا، اختارت أن تكتب رسالتها

الأخيرة لتكون أطول رسالة وأكثرها

تعمقا وصدقا:

"لقد فعلتها مجددا يا حضرة الدكتور،

ما فعلته لي قبل سنوات قد تكرر قبل

أيام، لقد أخطأت مجددا في وضع تشخيصك

فوصفت الدواء الخطأ، لقد حرمني تهورك

قبل سنوات من إنجاب الأطفال لكنك استطعت

أن تغريني بعرضك عليّ وضيفة وتدفع لي

أموالا مضاعفة، ولكن لنرى ماذا

ستفعل هذه المرة، هل تذكر السيدة

التي فحصتها آخر يوم، ما أغباني

لأطرح هذا السؤال بالتأكيد لا تذكرها

فقد كان عقلك مشغول بالتخطيط للإجازة

أتمنى من أعماق قلبي أنك استمتعت بها

لأنها ستكون آخر ما ستستمتع به، إن

ابن تلك السيدة المرمية في العناية المركزة

يبحث عليك بشغف، لا أعلم ما الذي ينهاه

عن إعلام الشرطة حتى الآن، لكنني لا أعتقد

أن من يفعل ذلك فكرة حميدة، فآخر مرة

جاء فيها إلى منزلي بحثا عنك كان يسيل

غضبا يحمل الدواء الذي وصفته لوالدته

ويصيح بسخط، لا أدري إلى ماذا كان سيتطور

الأمر لو أخبرته أنك في إجازة مع عائلتك

في إحدى الدول الأوروبية وأنك تستخدم لدفع

رغباتهم أموال والدته."

توقف الزمن بالدكتور عند الحروف الأخيرة،

كم تمنى أن تأتي حروف بعدها، حروف تشكل

كلمة "لكن"، أو "لا تخف" 

أو غيرها لكي يستطيع أن يسرق منها الأمل.


ترقب في تلك الليلة والتي تلتها والتي جاءت بعدهما

قدوم الشرطة، رسم في مخيلته المشهد بكل تفاصيله

أن يُطرق الباب ثم يقود الشرطي ساقيه نحوه،

ويرغمه على وضع يديه بين الاصفاد تحت صراخ

أطفاله واندهاش زوجته، وحين يبيت في

السجن ليلته الأولى تصله أوراق الطلاق.


بعد أن ملّت مخيلته من إعادة المشهد بدأت

تترجل لتضيف أحداثا أكثر مأساوية، كأن

يقاوم الشرطة ويفرّ هاربا فتلحقه رصاصة

تطير في الهواء ثم تلتصق بأشلائه.


ها قد توقف عن التخيّل الآن، وأخذ ما بقي

من تلك الليلة يرتب حقائبه، كتب رسالة إلى

زوجته وودع أطفاله حين قرأ لهم آخر قصة.

ثم تبخر عن الوجود، اختفى في ظلام الليلة

الأخيرة، وهرب بعيدا عن جريمته.


جزء منه لم يصدق أنه فشل، أنه لن يعود

إلى مكتبه، لن يحظى بالاحترام الذي تعود

عليه، لن يبتسموا له أو يحيوه لأنه دكتور.



وبعد سنوات عثرت الشرطة على جثته بعد أن انتحر،

وصلوا متأخرين رغم ما بذلوه من جهد إلّا

أن بعض الجرائم يجب أن تُرتكب ليعيش

الدرس.


 كانت الممرضة تقف خلف الشرطي

الذي غطّى وجهه، جاءت بنفسها لتبشره بأنها

كانت على خطأ وأن الدواء الذي وصفه لم يكن

السبب في ما حلّ على المرأة المسكينة.

                             ........................


الجريمة هي ما ارتكبه الدكتور في حق نفسه

فلو واجه خوفه، وتحمل المسؤولية كان

سينجو، لكنه اختار أن يصدق بأنه الشخصية

السيئة في القصة فكان له ما صدق به.

أحيانا تحكم علينا أفكارنا، فكرة تتسلل إلى
ذهنك فتجبرك على إعادة ترتيب أو بعثرة
حياتك لكنك الوحيد من تسمح لها بالبقاء
والوحيد القادر على طردها.


قصة من تأليفي أخبرني برأيك
ho.hana

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق