التنمر
قصة قصيرة
لازالوا يبحثون عن النهايات
نهاية ظاهرة التنمر مثلا،
يسعى المدرسون ويبذل جهده المربي
لخلق أطفالا لا يمارسونها.
لكنني لازلت أراها من بعيد
ترتديها تلك الفتاة الصغيرة، لذلك
أجيبهم حين يخبرونني بأمنيتهم هذه
" ما دامت تلك الصغيرة
على قيد الحياة لن تضعوا التراب
على قبر ظاهرة التنمر."
ستستيقظ هذه الظاهرة مع استيقاظ
الفتاة الصغيرة.
من دون أن أطيل سأحكي لكم قصة هذه الفتاة:
حين كانت في الرابعة من عمرها
ذهبت مع والدتها لأول مرة عند حلاقة النساء
لتصبح أميرة صغيرة في حفل زفاف عمّها
نظرت إليها العاملة بوجه جميل مزيّن
وابتسامة ساطعة، كانت تحرك وجه
الصغيرة بفضول تميله وترجعه للخلف بحركات
اعتبرتها صاحبة الأربع سنوات غريبة
بينما استحسنها بقية السيدات وابتسموا لها
قالت العاملة بعد ذلك موجهة كلامها لأم الفتاة:
"لديها وجه جميل، لكن عيناها صغيرتان،
يجب أن أعالجها، سأستعمل الكثير من المساحيق.
وأخرجت الأقلام، وعلب التزيين
لترسم وجه الفتاة من جديد.
ولم تتوقف عن إخراج كل النواقص
في وجه الصغيرة، بصوت عال كانت
تخبرها بأن لها حاجبين كثيفين،
و سيمتلئ وجهها بالحبوب عندما تكبر
وأن جنتاها غارقتان في وجهها
النحيل لذا عليها أن تسمن،
فقررت الفتاة وهي على سريرها
تستحضر ذكرياتها مع العاملة أن تأكل كثيرا.
وحين أصبحت في الخامسة والنصف
ذهبت مع والدها إلى بائع الألعاب
لانتقاء لعبة جديدة، فأخبرها البائع
أن عليها شراء دراجة هوائية
وحين رأى نظرتها الرافضة قال:
"إن ركوب الدراجة يُعتبر رياضة
مهمة ستساعك على خسارة الوزن
الزائد وهذه الشحوم الممرضة"
مشيرا إلى بطنها وأردافها بوجه معاتب.
كانت والدتها معجبة بابنة
اختها التي تشبه ممثلة مصرية،
وكثيرا ما تطايرت كلمات المقارنة من فمها،
لم تكن تقصد أن تتحول هذه الكلمات
إلى حبل يلتف حول عنق ابنتها لكنها
فعلت.
أمّا الام الثانية وهي معلمتها فلم تكن
تختارها لتمثيل القسم،رغم
ذكائها وتفوقها قيل عنها أنها
خجولة، وهناك خلل في صوتها
المنخفض الذي يشبه الهمس حتّى
في صياحه.
كانت هذه العبارة السبب في توقفها
عن الحلم بأن تكون مذيعة في المستقبل.
سنّ الجميع سيوفهم باتجاه ظاهرة التنمر،
يريدون حماية أطفال يُضربون، يُشتمون،
يُحرمون من حقوقهم لأن أشخاص أقوياء
يريدون إثبات قوتهم.
ولكن التنمر الذي تتعرض له هذه الفتاة هو
النوع الوحيد الذي لا يستطيعون محاربته،
لأنه وببساطة يُمارس من قبل الجميع.
عن غير قصد، تخرج الكلمات من الافواه
بنية طيبة لكنها تُسبب جرحا، أو عقدة،
أو التخلي عن حلم.
دخلت الفتاة إلى المحل لشراء الخبز والتبضّع
وحين ألقت تحية السلام لم يردها البائع
المشغول بزبائن أهم.
فقررت ألّا تلقي عليه السلام
من جديد لكنها تعرضت للإهانة والشتم.
وهناك في المكتبة صاح عليها رجل
لتتوقف عن الضحك فقال: "أنت يا صاحبة
ضحكة القرد"
وفي المتوسطة لقنها المعلم درسا لن
تنساه حين أسدى لها نصيحته فأخبرها:
"عليك بالانضمام إلى فوج الدروس
الخصوصية،
وإلّا
ستسقطين في الفيزياء، لن تستطيعي النجاح


فعلا قصة جميلة، كل التوفيق..
ردحذف