لغة الاشارات
سمعت يوما مقولة تقول:
إذا كنت تستعد لفعل أمر ما، وفجأة آلمك جزء من جسمك
فتوقف عن فعل هذا الامر لأن جسمك يعطيك إشارة يخبرك فيها
أن تتوقف.
ومنذ هذه اللحظة وأنا أفكر في لغة الاشارات
قصة قصيرة
تعرفتُ على فتاة على الطريقة العصرية الحديثة
من خلال أشهر تطبيق للتعرف على شريك الحياة.
فضحك جلّ الأشخاص الذين اخبرتهم
بقصة تعارفي على هذه الفتاة، ومنهم
من استهزئ بي.
لأنهم لم يسمحوا لعقولهم بالمشاركة في
ألعاب القدر.
في البداية لم يعيروا هذه القصة أيّ انتباه لأنني كثيرا
ما أحدثهم –سواء عائلتي أو أصدقائي- عن
فتيات تعرفت عليهن بنفس الطريقة، ولكن
ما إن بدأ الموضوع يأخذ منعطفا آخر، منعطف
أكثر جدية حتّى ابتعدت الابتسامة الساخرة
عن وجوههم، وارتدوا بدلا عنها تكشيرة
غريبة، شك، وانزعاج لا يطاق.
لم يقولوا أيّ شيء عن الفتاة لأنهم لم يتعرفوا
عليها ..
بل كانت حجتهم الأكبر ترتكز على الطريقة التي تعرفنا بها.
قال أحد أصدقائي: "كيف تقبل أن تتزوج
بفتاة
تحمِّل هذا التطبيق من الأساس"
وقال أخي الكبير: "لعلها تحدثت مع رجال
آخرين
في الوقت الذي كانت تتحدث معك"
كانوا غافلين وقت إصدار الحكم أنني مذنب في
كل هذه الأشياء مثلها تماما.
وحين لم يتمكنوا من إيجاد وسيلة أخرى
لمنعي من اتخاذ الخطوة الجدية، حكّموا عقولهم
واومأ أخي ووالدتي موافقين على الذهاب معي
لخطبتها.
وصلنا لعنوان الحيّ سريعا.
ركن أخي سيارته، ثم قدنا أقدامنا باتجاه
العمارة الثالثة لنصعد طابقين ثم ندق
الباب الذي يحمل الرقم تسعة.
لكن قبل أن نفعل كلّ هذا، سمعنا صوت
شجار في الحي، كان الصوت عاليا بحيث
أنك لا تستطيع مقاومته، فتبحث عن مصدره
بعينين فضوليتان تريدان أن تشبع.
كانت الأصوات مختبئة في العمارة
الجانبية،
رجال يصرخون ويشتمون، ونساء تفعل مثلهن
لكن بصوت متقطع يأخذ شهقة بين الفواصل.
لم نفهم الموضوع، ولم نهتم بفعل ذلك، توجهنا
مباشرة إلى البيت المقصود، جلستُ على أثاثه
المرتب، واستنشقتُ رائحته المعطرة.
بين أعين والدها وعمّها، حاولتُ اظهار
ابتسامتي، لكن كثيرا ما تمت خيانتي فظهرت
الحيرة والأسف.
لكن هذا لم يكن حالي فقط بل جميع الموجودين
شعروا بذلك مثلي، وهذا راجع للصوت الذي
حملناه معنا إلى البيت، صوت شجار تمرّد إلى
صوت تكسير وضرب وعويل.
وبعد فترة من هذا الاضطراب، وصلت
الشرطة إلى المكان، استطعت معرفة ذلك
بسماع حسّ السيارة قادمة من بعيد
وقد تعالى صوتها محذرا الجميع فهدأت الاصوات من بعدها.
وبطريقة ما انتهت المقابلة، لم أكن كبقية
الخاطبين
الذين تحمسّوا فسال عرقهم، وازداد نبض
قلوبهم،
بل على العكس أحسست بأن عائلتي المستقبلية
من شعرت بالخجل الشديد الذي لم يستطيعوا
تحويله إلى عبارة "نعتذر منكم" كي
لا تتحول
الجلسة إلى نميمة، وكي لا ينطلق اللسان
المسجون في سباق الأسئلة.
علّقت والدتي بأنّ ذلك لم يكن فال حسن.
وكان هذا هو التعليق الوحيد الذي سمعته،
ثم أغلقت أذني عمّا تلاه.
مرّت الأسابيع والشهور، وجاء اليوم الموعود
تزينت وارتديت وجها ورديا أفرط من الخجل،
ولسان شاعر متحمس.
وحين أشارت الساعة إلى الرابعة زوالا سافرت
بمركبتي نحو عشّ أبيها وأمها، مطلقا الالحان، واصوات البهجة
والسيارات من ورائي وأمامي تفرح لي وتغني.
اصطفّت سبع عربات في حيّها، خرجت النساء
تزغرد، واكتفى الشباب بالمراقبة.
ورغم مكبرات الصوت، علا صوت جديد
اختلط بالجوّ وعكّر صفوه.
كان منظرا مهيبا لم يغفلعنه أحد.
برزت صورة فتاة من العمارة الجانبية
لازالت ترتدي حلّة شابة عشرينية في
تفرعات وجهها الأبيض المشرق.
كانت جميلة جدا رغم كل شيء، لم
أستطع أن أغفل عن ذلك أو عن تأمل
حسرتها وهي تنظر للموكب، وقد كنت
شديد التعلق بتلك اللحظة، لدرجة أنني
تحجرت في مكاني، حين تسابقت الأقدام
إليها، يهتفون ويتوسلون أن تبتعد عن
الحافة. أمّا أنا فلم استيقظ إلّا من الصوت
الذي أحدثه وصول جثتها إلى الأرض.
وصلت سيارة الإسعاف والشرطة،
توقف العرس لساعة أو أكثر، ولولا
إلحاح والدتي وأهل العروس لانتظر أكثر.
أحسست أن قطعة منّي رسخت هناك،
أو سؤال مجهول يلحّ عليّ بالإجابة عليه.
تعجبت من إجابة زوجتي وهي تقول:
"لا أعرف تلك الفتاة، لعلها
مجنونة."
وحين ارتديت ثياب الجرأة والشجاعة
ذهبت لزيارتها في المشفى.
كان قد مرّ على الحادث أكثر
من خمسة عشر يوم.
لكن حالها لم يتغير على قول الطبيب
لازالت ممددة على السرير، تفتح عينيها
ثم تغلقهم، لم تكلم أحد، لم تأكل، ولن
تستطيع أن تنهض أو تمشي من بعد اليوم.
كانت هذه الكلمات كفيلة بأن تُلبسني
ملامح الشفقة ففضلت أن أعود لمنزلي
على أن تراني بكسوتي هذه.
مرّت سنتان على الزواج، زواج كل ما يمكنني
أن أقول عنه أنه فاشل.
لا توافق في أيّ شيء، لم نكمّل بعضنا البعض
بل على العكس استطعنا تدمير بعض.
لقد اطفأتُ كل لمعة كانت في عينيها، واستطاعت
هي أن تصبّ عليّ تعاستها.
انتظرتها كثيرا لأن جانب مني كان يسأل عن تلك الفتاة
التي أعجبت بطريقة كلامها، بنضجها وثقافتها
حاولت أن أبحث عنها واستخرجها لمدة سنتين
لكنني لم أنجح وكأنها لم تسكنها يوما.
حاولت تذكيرها بالماضي، لقد كنّا نتحدث
صباحا ومساءا وعدتني ووعدتك بالكثير
ألا تذكرين؟
فكانت ترفع كتفيها تقول أنها لحظات
مراهقة.
في الأعياد وبعض المناسبات حين أزور
بيت والديها، كنت أتوقف قليلا أمام العمارة
الجانبية، انظر من بعيد ثم أعود للواقع.
إلى أن مرت هذه السنتين، والتقيت ذات يوم
بتلك الفتاة الغامضة، كنت برفقة زوجتي آنذاك
حيّت الجارة زوجتي بابتسامتها، وسألت عن
حالها، ثم عن حال كل اخوتها ذاكرة أسمائهم
استعجبت من ذلك، تذكرت كذبة زوجتي
حين قالت أنها لا تعرفها ولم تلتقي بها يوما.
ثم لاحظت كيف توترت وأرادت المغادرة بسرعة،
تذكرت أشياء أخرى، كيف لم تسمح لي
بأن اوصلها إلى بيت والديها،
كيف كان يتعكر مزاجها إن اخبرتها بأن علي
القاء التحية على أبيها.
وفجأة غادرت غرفة الذكريات، أو بالأحرى
هناك من أخرجني منها، سؤال مندفع انطلق
من شفتيّ الجارة فقالت: "كيف حال والدتك
مع
الروماتيزم يا رضا؟ آخر مرة تحدثنا
أخبرتني أن الألم سيقتلها، فنصحتك
بشراء عكازة لها."
قادت الفتاة العجلات مسرعة، وكأن السؤال لم
يكن سوى إجابة على تساؤلاتي التي
لم أواجه بها أي أحد يوما.
في تلك اللحظة تذكرت ما قالته والدتي قبل الزفاف بيوم:
"إن الإشارات تخبرك ألّا تتزوج
بها"
لكنني لم أؤمن بالإشارات يوما.
ورغم أن الطبيب لازال يخبرني بهذه الإشارات فالبارحة فقط
قال لي:
"صدقني يا رضا، صحتكما بخير، لكنكما لا
تستطيعان
إنجاب الأطفال معا، إن تزوجت بغيرها سترزق بالاطفال
وإن تزوجت من رجل آخر ستنجب ذريتها."
ومع ذلك لازلت لا أفهم لغة الاشارات.
قصة من تأليفي ho.hana



تعليقات
إرسال تعليق