ظروف طفل قصة قصيرة
قصة طفل
هل الظروف ما تصنع الطفل أم الطفل من يصنع
ظروفه؟
اخترت كلمة طفل وليس شخص،
لأن الشخصية يبدأ تكوينها في مرحلة
الطفولة.
كان
الطفل يسير في الغابة، رغم أنه
في عمر السادسة، رغم أنه لم يدرس قط،
ولم يلتقي ببالغ يخبره أن الغابة خطيرة
في هذا الوقت من المساء، إلّا أنه استطاع
الشعور بذلك الاحساس
الذي عجز العلماء عن تفسيره: "الخوف".
نبضات صارخة، عطل في الاجهزة التنفسية، عرق وحيرة ...
وقبل وصوله للطريق السريع الذي
رسمته مخيلته كطريق النجاة،
لمح منظر قطة تلتهم فريستها، كان منظرا
مخيفا بالنسبة لطفل في السادسة، وبعد عدّة
خطوات تقابلت عيناه مع منظر لمجموعة من الشباب
يلتهمون فريستهم الانثوية.
لعله تصرف عادي، هكذا فكر الطفل بداخله،
"لأن الأطفال والأشخاص عامة يحكمون على
التصرف من خلال عدد تكراره.
فلو شتم ثلاثة أشخاص أمامهم، سيعتبرون
الشتيمة مباحة، وستجد لسانهم ينطق بها
بعد ذلك.
وحتّى الكبار الذين يدّعون نضج
عقولهم
يتصرفون من خلال هذا المبدأ، فإن دخل
موظف جديد لشركة ما،
ورأى أن عددا كبير من الموظفين
يتكلمون في الهاتف خلال عملهم، ستجده
بعد أيام قليلة يقلد هذا التصرف."
تابع الصبي سيره نحو الطريق
السريع، وقفت أمامه سيارة تقودها امرأة أشفقت
على حاله.
أوصلته إلى العنوان الذي أخبرها به، ثم انصرفت.
وعاد هو للحياة التي كان يعيشها بعد قضائه ساعة
في سيارة فاخرة، دافئة، مع وجه جميل يبتسم له،
وقف الآن أمام النفايات، ارتدى القفازات الصفراء
الكبيرة المليئة برائحة العرق ممزوجة برائحة القاذورات.
وبدأت جولته في الأحياء الضيقة.
يلفّ ضواحيها، ويبحث عن فضلات تركها
أشخاص شبعت بطونهم فيضعها في فمه
ليسكت الاصوات داخل معدته.
تعلم في سن صغيرة قذف الشرطة بالحجارة
ثم الجري بعيدا، لعبة الأطفال المفضلة، الشرطة
واللص، لكنها كانت حياته العادية التي بدأ
يملّ منها.
لعلّ حياته كانت مقرفة، لكن
الخير كان يزوره عند بعض المنعطفات
أخذ أحد الشيوخ بيده يوما، وجرّه نحو
الزاوية ليعلمه القراءة والكتابة.
لكن في اليوم التالي لم يعد للزاوية،
ليس لأنه لم يرغب في التعلم كما ظنّ الشيخ
بل لأن منعطفات الأحياء كثيرة ومتشابهة،
فاختلطت عليه الأمور حين غادر منفاه بنية
القراءة لكنه وجد نفسه
في ممر ضيق تباع فيه الهلوسات.
في سن العاشرة تخلى عن شخصية اللص
المملة، وأصبح تاجر مهلوسات، يحمل
سكينا. كبطل فيلم قوي لمحه على شاشات
التلفاز في محل بيع الأجهزة الالكترونية.
واستمرّ في عيش هذا الدور لخمس سنوات
كاملة، إلى أن قبضت عليه الشرطة.
جلس مع المحقق، وكان يجيب على
كل سؤال بسذاجة مختلطة بكذبة صغيرة.
لو سألته ما معنى الصدق لأخبرك أنه
كذبة صغيرة، فهكذا قيل له في أول ذكرى
له مع الكذب: "إنها كذبة صغيرة، لن تجعل
منك كاذب وستظل طفل صادق."
في رواق مركز الشرطة، رأى عينان
يعرفهما، المرأة التي أنقذته من الغابة
ذات أمسية. وتعرفت السيدة عليه كذلك
أسرعت في تقديم نفسها للضابط، أخرجت
بطاقة تثبت أنها محامية ثم قالت: أريد
التحدث مع موكلي على انفراد.
وبعد هذا اللقاء عادا إلى غرفة
الاستجواب، لم يتحدث الطفل أبدا
وظلّ ينصت لكلام المحامية، ولاحظ
بعد مدة أن كلمة من بين ملايين الكلمات
تتدافع وتتكرر على لسانها: "ظروف"
إن ظروفه ما دفع به إلى تلك الاحياء.
إن الظروف ما جعله ينسى براءته
لقد شهد مقتل صديقه، تربى بين النفايات،
-ولا أقصد بها الأشياء- عاش كحيوان يريد
أن يتغذى، ويكبر وينضج ويتكاثر لكن الأهم
أن يصبح الأقوى.
هو لم يرد ذلك لكن ظروفه من همست في
أذنه أن هذا هو الصح.
لو رأى طفلا بسنه يحمل كتابا لأخبرك
أن ظروفه من سمحت له بإقتناء الكتاب
ومقابلة المعلمين، ووضعتني أنا في أيادي
المجرمين.
ورغم هذا لم يُعجب الشرطي بكلام المدافعة فاندفع
لهاجمتها بسؤال شخصي خاص:
ألم يكن لك نفس هذه الظروف؟
ألم يرميك والداك في سلة المهملات؟
لكنك لم تختاري أن تخضعي للظروف؟
بل أخضعتِ الظروف لأحلامك ومبتغاك.
لم يسمع الطفل بقية الحديث، نام في السجن
تلك الليلة، ومنذ صباح الغد في مركز
إعادة التأهيل.
وظلّت كلمة ظروف تتردد عليه
كضيف مزعج يأبى الرحيل.
أراد أن يصنع ظروفه الخاصة.
فاختار نقطة البداية من أقرب مكان
تصل إليه يده، ولم يفكر في الخطوة الثانية
أو الرابعة، فكل ما كان يعرفه هو الخطوة
الأولى، وحلمه في الخطوة الأخيرة
الذي يتمثل في تغيير ظروفه.
"أليس هذا ما يجب على كل شخص فعله
أن يعرف الخطوة الأولى والأخيرة فقط
أمّا بقية الخطوات فهي ما يصنعها القدر.
كالرياضي الذي يعرف الخطوة الأولى وهي اللعب
ويحلم بالنصر وهي الخطوة الأخيرة، أمّا
ما سيحدث في المباراة فهو ما سيكتشفه"
اتصل الطفل بمركز الشرطة، قال أريد
التحدث مع الضابط.
زاره الضابط بنفسه ليسأله عن حاجته،
أخرج الطفل حبوبا من جيبه وقال:
يمكنني ان أدلك على كل العصابة،
لن تجد أفضل منّي فأنا هناك منذ خمس سنوات،
ولن يشك أحد بطفل.
لم يكن يشير إلى عمره حين استعمل كلمة طفل
بل إلى جهله، فهو لازال طفلا لأنه لم يتعلم
كيف يستخدم عقله بعد. أو هذا ما كان يظنه
الناس من حوله، كيف لجاهل لم يقرأ، ولم
يستنتج أن يخدع عصابة كاملة؟
غيّر الطفل ظروفه بمئة وثمانون درجة،
فمنذ أن كان اللص في لعبة الطفولة
أصبح
الآن الشرطي.
هو لم يلعب قط، لكن ظروفه سمحت له
بعيش الدورين واختيار ما يعجبه.
هل الظروف ما
تصنع الطفل أم الطفل من يصنع ظروفه؟

تعليقات
إرسال تعليق