القائمة الرئيسية

الصفحات

 وفاة شابة

قصة وعبرة

فكرة

جلست أربعة فتيات على أربعة كراسي

متقابلة مثنى مثنى على الحافلة،

لم تعرف أي واحدة منهن الأخرى

وبحسب تفرد شخصياتهن، تفردت طبيعة

أعمالهن لتمضية الوقت على الحافلة.

فكانت أولهن وهي فتاة طويلة الوجه

سمراء محجبة تقرأ كتاب يبدوا مثيرا إذ

أن عينيها لم يفارقان كلماته لحظة.

وأمّا الفتاة التي تجلس بجانبها فكانت

تضع نضارة سوداء كبيرة كلون شعرها

 المموج الذي يرقص على كتفيها.

وكانت تنظر للنافذة تارة وللركاب

تارة أخرى، ثم تفحص هاتفها.

وثالثتهم هي امرأة تهز بيديها رضيع

يضحك مرة ويبكي في المرة الأخرى.

وفي احدى المحطات ركبت شابة تحمل

العصير بإحدى يديها، وتجيب بيدها

الأخرى على مكالمة هاتفية.

قالت لمخاطبها على الهاتف وقد جلست بالمقعد الخالي جنب الفتيات الثلاثة

بكلمات مرتعشة مترددة: لقد ركبت الحافلة الآن

اشترى لي "أيوب" عصيرا قبل أن أصعد،

اطمأن بأنني سافرت ثم ذهب.

انتهت الشابة من كلامها، سرحت في الحضور

قليلا ابتسمت حين تلاقت عيناها مع عيني الام ثم بدأت قطرات العرق تتسلل من جبينها،

شعرت من أن قلبها سيمزق قميصها

الارجواني، وبأن الحرارة ستحرقها،

برز ذلك على وجهها باحمرار طفيف

وحين فقدت توازنها أيقنت أن هناك خطب

ما، لكنها لم تعرف ما هو لأنها الان على الأرض مددة، لا تسمع أصوات المنادين عليها،

ولا ترى الوجوه المنغمسة فيها تصدّ عنها

الهواء.

توقفت الحافلة، وصعد المسعفين إليها،

وسيقت أرجل الركاب إلى مركز الشرطة

للإدلاء بإفادتهم بعد أن أكدوا لهم خبر وفاة الشابة

متسممة بمادة مسكوبة في عصيرها.

تردد اسم أيوب في ذهن الفتيات الثلاثة، متذكرين

كلام الفتاة في الهاتف.

وقفت كل شابة في جهة، ينظرن إلى بعضهن

من تحت ستار القلق والخوف.

واختفت المشاعر فجأة حين صرخت سيدة من بعيد:

يا اللهي كيف حدث هذا، لقد كلمتها قبل ساعة وكان

كل شيء على ما يرام؟

تيقنت كل شابة من الشابات الثلاث أنهن اعفين

من المهمة، لأن هذه السيدة من ستخبر الشرطة

بأمر المدعو أيوب الذي اشترى العصير.

لكن أملهن اختفى حين أقرّت السيدة بأنها

لا تعرف مصدر العصير.

ازداد القلق، وغلب الخوف على كل

شعور آخر.

فاجتمعت الفتيات حول بعض قبل ادلاء الافادة لتقول أولهن:

"علينا أن نقول الحقيقة، لقد سمعتم

ما قالته كما سمعته أنا صحيح؟"

أجابت من كانت تهزّ رضيعها:

لقد كنت مشغولة بإسكات الصبي، لست

متأكدة مما سمعت.

وكان جواب الثالثة: لن أقع

في المتاعب، انظري تلك السيدة رغم صلتها

بالضحية إلا أنها فضلت السكوت وأنقذت

نفسها، ما يدرينا لعل أيوب هذا رجل خطير

سيحب أن ينتقم منا.

وحين وقفت هذه الفتاة عند قاضي التحقيق

أخبرته أنها لا تعرف شيء، لأنها كانت

تضع سماعات أذن.

أمّا والدة الصبي فلم تثبت عند رأي معين

كان كلامها كأحجية عليهم حبها فقالت:

"أظن أنها كانت تتحدث في الهاتف، لم أسمع

جيدا ما قالته، لعله كلام غير مفيد لذلك لم

أركز معه، كان ابني يبكي ويصرخ... لعلي ساتذكر شيء.... انتظروا عودتي "

وحين خرجت من المكتب أرادت العودة

إليه، وأن تفضح ما سمعته، لكن رؤيتها

لابنها وخوفها عليه منعها من تلك الخطوة

الجريئة.

أمّا الفتاة الأولى فقد تجرأت على قول

ما سمعته كاملا، ولم تعتبر ذلك جراءة أو

شجاعة أو قوة منها فحين سألتها والدة الطفل

لما فعلت ذلك قالت: "لقد كنت صادقة ولم أكذب.

رغم أنني من خاطرت بنفسي إلا أنني أراك

أكثر توترا وخوفا."

علا صوت الفتاة الثالثة لتنظم للمحادثة:

"ليس توترها ما يقلق بل راحتك أنتـ أعني

بعد كل ما حدث لازلت هادئة وواثقة ألا تخافين؟"

أجابت الموجه إليها السؤال:

"ولم أخاف وأنا لم أفعل شيء؟"

"بل عليك الخوف لأنك تسببت في غضب

المسمى أيوب، إن كان هو الجاني أو لا،

فسيعود إليك، بل لنا جميعا، لأننا وبفضلك

أصبحنا شهود على الجريمة."

تدافعت دموع حاملة الرضيع، وبدأت تلوم على

الفتاة الاولى وتحملها المسؤولية إن أصابها وابنها مكروه.

 

وهنا انتهى المشهد، أو التجربة التي قام بها أحد المختبرين

ليبين الأنواع الثلاثة للنفس البشرية.

الأولى التي تكذب، وتغرس المشاعر السلبية

وتأمر بالسوء.

والثانية تلك التي تتردد قبل فعلها للخطأ

ورغم ذلك تفعله ثم تلوم نفسها وغيرها

على ذلك الفعل.

والأخيرة وهي عكس الأولين فتكون

هادئة، واثقة مطمئنة في أفعالها لأنها واقفة من أنه

الفعل الصحيح.

تلك هي الأنواع الثلاث التي ذكرها الله 

في كتابه.

قصة من تأليفي، أتمنى أن تعجبكم

انتظر تعليقاتكم❤

تعليقات