قصة قصيرة: الحياة
استيقظتُ من رقاد عميق،
أضلاعي منملة، ولا أشعر بيدي اليسرى.
فتحت عينيّ، على سقف أبيض.
لم أسمع أي صوت، ليس هذا من عادة
الأشقاء الصغار، إخوتي.
فجلست على تلك الوضعية لفترة من الزمن.
جفّ حلقي، وبطني يتفاعل مع الحرمان
من الطعام بصوت مستمر.
وبعد فترة سمعت صوت شخص يخاطبني:
"هذا طبيعي، فأنت لم تأكل منذ
يومين."
كان صوتا رقيقا يدعوا للضحك.
رفعت رأسي، فوجدت أن منزلي قد تغير.
أصبح واسعا، وتصله الشمس من كل ناحية.
وامرأة تجيء وتذهب فيه.
هلعتُ مسرعا، أدور في أرجائه وأتفحص
أركانه، مضطربا أسأل أسئلة لا أنتظر أجوبتها:
"أين أنا؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟ ومن
أنتِ"
ثم توجهت لمدخل المنزل، وضعت يدي على
مقبس الباب، وحاولت فتحه مرارا وتكرارا.
لكنه لم يُفتح، كان المدخل الوحيد لمنزل
بثلاث
غرف ومطبخ كبير يطلّ على الصالون، أين
كنتُ ممددا على الأريكة البيضاء.
فتحتُ الشبابيك وقد كانت مغلقة بسياج من
حديد.
"أين هاتفي؟" هكذا صرختُ على
المرأة التي كانت
تُحدّق في صورتي.
قالت المرأة: ‘إننا في المنزل"
فصرخت: منزل من هذا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟
فأجابت بأنها لا تعرف، وقد استيقظت
فوجدت نفسها محجوزة هنا مثلي تماما.
فسألتها عن مفتاح المنزل
فردّت قائلة: المنزل يُفتح في الصباح الباكر
ويُقفل في المساء.
لم أفهم كلام المرأة. فهي بحدّ ذاتها كانت تثير شبهات
فقد استسلمت للوضع، وباتت تفكر في العيش
فقط.
أمّا أنا فقد استمريت في الصراخ طويلا،
كسرت ذراعي لكن الباب لم يُكسر.
وفي الأخير تعبت، سقط الظلام بسرعة
فأجّلت طلب المساعدة للصباح.
حملت المرأة صينية مأكولات أعدّتها بنفسها.
فأكلت وشبعت، ثم جلست على الأريكة
واضعا رأسي بين كفيّ، أفكر في حلا
لهذه المشكلة، كيف جئت إلى هنا؟
ومن له مصلحة في اختطافي؟
ومن هذه المرأة الغريبة؟
وحين تعبت من ضرب الأسئلة نمت مباشرة.
وفي الصباح، حدث مثل ما أخبرتني به المرأة
فُتح الباب، فهرعت للخارج، أركض باحثا
عن مكان أعرفه، عن بيت يضمّ غيابي.
لكنني لم أجد سوى حديقة خضراء كبيرة،
سرت فيها مطولا، رافعا رأسي للسماء طالبا
النجدة
وحين تعبت عدت لذلك المنزل، أطرح فرضيات
ثم أتعب فأتناول العشاء من تحت المرأة
الماهرة في الطبخ
ثم أنام.
وفي الصباح أخرج مجددا، وأعود كالمنهزم في لعبة
متاهة.
وفي أحد الأيام أخبرتني المرأة أن منفوذ
الطعام
قد انتهى.
بدأت أفكر في حل لمشكلة الجوع التي يمكنها
أن تقتلنا، فوجدت بعض الأسمدة، التي زرعتها
في
الحديقة الكبيرة، وأنبتت بعد فترة خضار وفاكهة.
وهكذا وجدت شيء يسليني طيلة اليوم، الزرع
والحرث. ثم الغطس في بركة ماء كبيرة غفلت
عن رؤيتها في السابق، فكنت أسبح حتى تنقطع
أنفاسي. وبعد مدّة بدأت أنظر للمرأة في
المنزل
بإعجاب كبير، بل لعله حب حرثته مع الأيام.
وحين صارحتها بالأمر أخبرتني أنها زوجتي
لم أصدق هذا لكن الدفتر التي كانت تحمله
برهن لي على صدق قولها.
وهكذا عشتُ معها فترة حياتي.
في أحد الأيام
أخبرتني زوجتي أنها عثرت على هاتفي.
فأخذته بين يديها، واستعملته كبقية البشر
في التسلية، وقد نسيت أو تناسيت أنني في
مأزق، أو مخطوف.
وتابعتُ عيش حياتي مع تلك المرأة وأطفالي.
نأكل مما تنبته الأرض، ونشرب من ماء البئر.
وفي أحد الأيام مرضت زوجتي وتوفيت.
وحين أحسست بالوحدة اتصلت بأحد الأرقام
المسجلة في الهاتف، كان الأمل ضئيلا أن
يجيبني أحد، لكنه فعل.
وطرق باب الحديقة الذي لم أره طيلة حياتي
كان بابا ممزوجا بالحشائش، فلم أميزه.
فتحت للطارق الباب، وقد مد يده ليأخذني
بعيدا عن المنزل، لكنني
رفضت ولم أستطيع ترك المكان، فالوقت قد تأخر
والشعر الأبيض على رأسي أكد لي
أن الوقت قد فات على أن أخرج من هذا القفص.
هذه هي طبيعة الانسان، يبدأ عمره صبي صغير
يحب الاستكشاف، وأن يسأل كثيرا، من نحن؟
ومن خلقنا؟ وما هذه الحياة؟
ثم حين لا يجد من يجيبه يسأم من طرح السؤال
ليقابله واقع عليه أن يعيشه دراسة، ومسؤوليات
ثم
وظيفة وزواج وأطفال، فلا يتمكن من إيجاد أي
إجابة
لأنه لم يعد يملك الوقت ليتفكر.
إلّا أن الحياة ليست بهذا الروتين، فالمخرج
أمام الجميع
لكنه غير مرأي، وعلينا البحث عنه.
الحياة قصيرة، لكنها تستحق أن تُعاش وتستكشف، فلا تفعل كبطل القصة.
تأليف ho.hana

تعليقات
إرسال تعليق