القائمة الرئيسية

الصفحات

 قصة قصيرة: تائه في الصحراء

تائه في الصحراء، يلتقي برجل عجوز 

يحاول أن يساعده في إيجاد الطريق الصحيح، 

ولكن إلى أين؟

توقفت السيارة، بعد أن أطلق محركها

زفيرا قويا، فتحتُ العلبة الأمامية.

لم أفهم ما كان يخبرني به المحرك،

فكلّ ما تعلمته عن السيارات هو أين

ألبّي حاجتهم للماء.

نظرت من حولي، أستدرك الموقف الذي

أنا في غمره. تائه وسط تجمعات من

الرمال والكثبان الرملية، كل الأماكن

متشابهة، الشمس تحضنني من فوق

والماء يكاد ينفذ، فإن نظرت بإمعان ستجد

أنني رجل تائه في الصحراء.


لم أجد ما أفعله بهذه العربة التي اشتريتها

بالملايين، فحتّى وإن استيقظت الآن هي

لا تعرف الطريق.

ولا الهاتف الذي كلفني أكثر من مدخولي

استطاع أن ينقذني، فهو لا يحفظ رقم

أصحاب الصحراء.

سرت بقارورة الماء الساخن، في اتجاهات

متضاربة أعادتني لنفس الموقف دون أن أدرك.

تمنيت حلول الظلام، كي تختبأ الشمس

قليلا. وحين تعبتُ سقطت دون أن أشعر.

لعل السبب في أنني لم أتأذى هو حنيّة الرمال.

استيقظت على وجه رجل عجوز،

يحمل الماء بكفه، ويضربه على وجهي.

صحت عليه بكل غضب:

"توقف، لقد أنهيت القارورة، ولا يوجد المزيد

فقال العجوز دون تردد: وهل أردتني

أن أستخدم لعاب فمي كي اوقظك؟

لم يزدني هذا إلا غضبا، فقلت من جديد:

"أنا لم أطلب مساعدتك، لكن قل لي من سينقذني

من الموت عطشا؟

ضرب العجوز القارورة على الأرض وتمتم

بغضب ثم بدأ يمشي.

لم أتنازل للردّ عليه خشية أن أخسره،

فتوددت إليه قائلا: هل تعرف طريق المدينة

يا أبي؟"

فردّ العجوز: أنا تائه مثلك، لكنها ليست المرة الأولى

التي أجيئ فيها إلى الصحراء.

طمأنني هذا الكلام قليلا، فتابعت السير وراءه

وكان السيد كثير الكلام سألني بعد خطوات قليلة:

"أخبرني ماذا تفعل في حياتك؟"

فقلت: إنني معلم.

عبس العجوز وتمتم: "وبماذا يفيد علمك في الصحراء.

هل سينقذني من هجمات الثعابين؟

لم أشأ أن أكلمه وتابعتُ السير.

أخبرني العجوز بعد ذلك أنه رجل وحيد كان حلمه أن

يُنجب طفلا ويعلمه لكي يصبح دكتورا.

أمّا أنا فأخبرته أن لي عائلة كبيرة، أطفال وزوجة.

فردّ بكل قسوة: "ما نفعهم الآن ها أنت ستموت وحيدا

في الصحراء"

أردت أن يصمت العجوز بكل وسيلة، حتى أنني دفعت له

الأموال في سبيل ذلك، لكنه استهزأ منّي وقال: ما فائدة

الأموال في الصحراء؟

وفي النهاية وصلت لمرحلة لم

أستطع فيها أن أحتمل كل ما يحدث

إضافة إلى الجوع والعطش، ها أنا

أمشي وراء رجل تائه مثلي، يستمرّ

في تحفيزي على قتل نفسي.

فأخبرته أنني سأسير في الطريق المعاكس

وفي تلك اللحظة صاح العجوز: انظر إلى ذاك

الجمل، لعل صاحبه برفقته.

وحين اقتربنا من الحيوان أكثر، رأينا صاحبه

بالعمامة البيضاء، ينظر إلينا بإعجاب.

وبعد التحية أخبرته مشدا على يده:

أرجوك ساعدني على إيجاد الطريق.

فلبّى الرجل طلبي وقال يخاطبني تارة والعجوز تارة أخرى:

-من أين أنتم؟

فاتفقت مع العجوز على اسم المدينة التي نسكنها.

قال المتجول: أنا لا أعرفها أخبروني عنها أكثر لعلّي زرتها يوما.

فقلتُ: إنها كباقي المدن، بها عمارات بارزة، مولات، وأسواق

شعبية.

استاء المتجول وردد: هكذا لا يمكنني مساعدتكم، 

هل تعرفون كم من مدينة تشبه هذه التي وصفتها

أمّا العجوز فقال: حسنا، استمع إليّ لعلك ستعرفها

إنها مدينة نظيفة، لكن سكانها لا يحبّون النظافة. 

مدينة غنية، لكن سكانها من أفقر الشعوب.

 سكانها يدّعون حبها، لكنهم أكثر من يؤذيها.

فاعترضتُ بغضب: 

لا توقف أرجوك إن ما يقوله غير صحيح،

فسأل المتجول: برهن على ذلك

فتمتمت قائلا:

 نحبها فنرفع علمها في المناسبات.

استاء المتجول أكثر وقال: لم أعرفها بعد

فقال العجوز فيها خيام تخرج منها رائحة شهية

ورددت أنا: بل فيها بنايات عاليات.

قال العجوز: فيها زوايا

ورددت أنا: لقد اختفت، وتم بناء المدارس.

قال العجوز: بها ملابس تقليدية بيضاء ورجال تحمل بنادق

ورددت أنا: إنها في المتاحف معلقة.

وقال العجوز نتكلم هناك العربية ممشوقة

فرددتُ أنا: لا يتكلم بها سوى الأقل تعليما.

فسار المتجول بعيدا قال لن اوصلكم حتى تعرفوا من أنتم؟

 


في هذه القصة القصيرة، يحاول العجوز أن يشير إلى حقيقة

الانسان فهو ليس بمنصبه، ولا بأمواله وأولاده، فإذا تاه في الصحراء

لن تنقذه كنوز، أو مهنة أو أصحاب ومعارف، إنّ الانسان بهويته

والمدينة بتراثها وحضارتها التي أصبحنا للأسف نعلقهم في المتاحف

لنتباها بهم أمام الأجانب، فإذا غادروا المتحف يجدون حيّا

من أحيائهم في الخارج ينتظرهم.


تأليف: ho.hana


تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق