القائمة الرئيسية

الصفحات

 ساعة الوفاة.

اول ساعة وفاة في حياة طالب طب

قصة قصيرة ومعبرة:



جنازة



 وقعت هذه القصة قبل  عدّة سنوات، ولا أعلم السبب خلف تذكرها كلما شهدتُ حالة وفاة.


بدأت القصة بينما كنت مستلقي في صالون المنزل أحمل هاتفي بين يدي، وأشاهد فيلم رعب اقترحه عليّ بعض


 الأصدقاء، -وقد كان فيلما جديد في السينما- وبطبيعة الحال هيأت جوا مناسبا لمشاهدته، ظلمة سوداء والكل نيام.


و لم تتقدم الأحداث إلى درجة أن أشعل الضوء و اطفأه، حين أخذ جرس المنزل يرن بوحشية، تلته طرقات متتالية


 مستعجلة، ولأن الصالون كان الأقرب إلى الباب، كنت أول من استقبل الطارق الذي لم يغلبه نعاسه.


خلف تلك الدقات وقفت الجارة "حسناء" التي تسكن في الطابق العلوي، تبكي وتصرخ: "انده للخالة سليمة بسرعة"


وها هي أمي وكل الاسرة تلبي النداء وتصطف بجواري، والفضول في اعينهم يتطاير.


تكلمت حسناء وكأن الدموع تساقطت من فمها: "ماما تطلب منك أن تأتي بسرعة يا خالة  أرجوك"


 أسرعت أمي في وضع الشال على رأسها، ثم صعدت مسرعة تاركة "حسناء" من وراءها.


نظرت إلى أبي ونظر إليّ نتخاطر بنفس الكلمات والفم مغلوق: "الفضول ما حول أمي إلى صقر"


ثم عادت بعد فترة، تطرق الباب بوحشية هي كذلك، ونظرت إليّ بنظرة آمر: 

"ارتدي شيئا وتعال معي هيا، اسرع"


أمسكت أمي بذراعي قبل خطوات صغيرة من باب الجارة أم حسناء وهمست قائلة: 


"تصرف كطبيب حقيقي، جميع الجيران هنا اجعلني فخورة"


-"سأفعل يا أمي، سأفعل ولكن بعد أن أصبح طبيب حقيقي، يفصلني عن اللقب سنتان دراسة"


ولكن والدتي عبرت إلى الداخل ولم تتوقف لسماع تعليقي.


كان منزل الجارة مملوء للآخر، ليس بالجيران فقط، بل بأشخاص لم يسبق لي أن رأيتهم في حياتي.


قادتني أمي نحو غرفة من غرف المنزل الثلاث، أين تناقص عدد الزائرين، ورقد صاحب البيت وسيّده "مفتاح


 الدين" على السرير، يحدّه من جانبه الأيمن أبناؤه الثلاثة، ومن الجانب الآخر إمام يرتدي جبته البيضاء، 


يتلوا أدعية وأحاديث.


واحتلّ صوت والدتي أذني يقاطع الأفكار المتزاحمة في ذهني وهي تقول: 


لقد صدمته سيارة، قال طبيب المشفى أنّ الضربة قد أصابت رأسه، وأنها لحظاته الأخيرة، 


لهذا نصحهم بأخذه لبيته ليموت بين أهله،  وما توقفت والدتي إلى أن زادت: " هيا اذهب، وقدم إليه المساعدة"


وجرّتني أمي من معصمي مبعدة أبنائه الصغار  كي أجلس أنا.


أمّا سيّدة البيت ووالدة الأطفال فكانت تأتي للغرفة تتأكد من أن زوجها على قيد الحياة ثم تغادر، 


وهي تحاور نفسها بصوت مسموع، 


"لن يكفي الصالون لاستقبال كلّ المعزين، والغرف في حالة يرثى لها، يا اللهي هي هكذا دائما، لكنهم صغار لا


 يفهمون الكلام، والضرب لم يعد يجدي. أين سأضع كل اولئك الناس؟ أين؟"


 "وهل ستكفي الأواني لعدّ الطعام، تعالي يا حسناء، اصعدي فوق كرسي واحضري  لي كلّ الاواني من فوق

 الخزانة"

 "في أي ساعة يفتح البقال، يا ترى؟"


"انهضي يا حسناء، واتصلي بكلّ الأقرباء ولا تنسي أحد، اتصلي بعمتك كذلك، ولكن إياك أحذرك أن تبلغي

 أصدقاؤه، ليأخذهم الله في ليلة واحدة"


اقتربت حسناء من والدتي وقالت بصوت منخفض منهك:


"ارجوك يا خالة، اعرينا بعض الأواني تساقطت دمعات الفتاة، وتحاشت أن تنظر لوالدها ثم أكملت:

 اضطرنا الامر لبيع الاواني فوق الخزانة."


ضمت والدتي الفتاة وطمأنتها.


في الحقيقة لم تكن الاواني فقط ما بيع، فالمنزل بات شبه فاضي تنقصه أشياء كثيرة، 


باعها الرجل الممدود على يميني، لسداد ديون القمار.


وبعد فترة ونحن على هذه الحالة المريبة، ننتظر وفاة رجل كي نعلن الحداد دخل شاب علينا، يرتدي معطفا أسود


 وقبعة سوداء، ويحمل مضلة بيده، ما إن رآه السيد مفتاح الدين، حتى أبدا ردة فعل غير طبيعية، 


وكأنه صبر هذه المدة متحملا الألم، كي يقابل هذا الغريب، 


فاستند المريض على يدي يحاول النهوض ورفع رأسه ليتأمل وجه الضيف متأخر الحضور، 


تحت انظار الجميع ودهشتهم، وبعد أن أشبع بصره، تلألأت ابتسامة على شفتيه.

 

كانت آخر ما بدر عنه قبل أن يتراجع إلى الوراء ويسقط لينام للأبد.


اشارة منه كي يبدأ عصر العويل والنواح، زوجة مرتبكة تجيء وتروح وهي تصرخ: "يجب أن يُغسل اولا"


ثم علا صوت أسكت الجميع، "ياسين، والقرآن الحكيم"


عدت إلى المنزل، وقد أعلنت عن أول ساعة وفاة في حياتي، حياتي التي اخترت أن تمتلأ بساعات كهذه.


ولم تعد والدتي إلا بعد منتصف الليل، وقد حملت معها ابن مفتاح الدين الصغير، الذي لم يستطع النوم وكل تلك

 الاحداث في منزله.


نام الصبي بجانبي، وأراد صدّ أذنيه بشدة عن صوت العويل والترتيل فوق رؤوسنا.


قال الصبي دون أن أخاطبه:


"هل ستموت أمي أيضا؟ لقد غابت عن الوعي منذ قليل، وهي وعمّاتي في شجار مستمر.

كله بسبب بابا"


-رحمه الله.


نظر الطفل إلي بشيء من الفضول، فابتسمت وحاولت تغيير الموضوع قائلا:

 "أخبرني أيها الفتى هل الرجل صاحب المضلة من معارفكم؟"


رفع الطفل كتفيه وقال: "لم اره في حياتي، لقد قال انه أخطأ  العنوان، ثم اعتذر وغادر"


قلت بنبرة مخاطب نفسي: "غريب"


فأجاب الطفل: "أجل، فما فعله والدي حين رآه كان غريب، هكذا اتفق الجميع في الأعلى، 


فأما سناء فقالت أن أبي كان يهلوس في لحظاته الأخيرة وظنّ بأن ذلك الرجل أخي المغترب الذي اشتاق إليه.


 فعارضتها إحدى عماتي بوحشية وقالت: بل ظنّ أنه والده المرحوم متكئ على عكازه،


 وتقول ماما أنه رأى أحد أصدقائه الذين يحبهم ويمتنّ لهم.


لكن من رأيي أن بابا لم يتمنى رؤية شخص اشتاق له من الماضي، ولا والده الذي يحلم أن يُجمع به في المستقبل،

 ولا شخصية تذكره بالحاضر.


لهذا فأنا أقول أنه رأى تلك الصورة من نفسه التي تركها في قلب كل واحد منّا.



بتأليف:     ho.hana

تعليقات

3 تعليقات
إرسال تعليق
  1. Bravo 👏 👏 👏 قصصك جميلة و مشوقة 😍💜🤍💜

    ردحذف
  2. باختصااار رااائعة😍😁👌👌👏👏👏👏👏

    ردحذف

إرسال تعليق