قصة: "وظيفة الأحلام"
هل لك أن تتخيل اليوم الذي يتحقق فيه حلم كنت تنتظره بفارغ الصبر؟
كأن تجد الوظيفة التي كنت تحلم بها طول عمرك؟
في ذلك اليوم كنتُ ألبي طلبات الزبائن في مطعم الشواء كالعادة، وحين رنّ الهاتف أتذكر أنني
تأخرت في الردّ بالرغم من أنه
أهم اتصال في حياتي.
وتابعت حمل طبق المشاوي وباليد الأخرى
قارورة ماء معدنية، متجه نحو أسرة صغيرة تنتظر وجبتها.
والحمد لله أنني أسرعت في الردّ قبل أن ينفذ
صبر المتصل.
-أجل، تفضل أنا سمير... نعم بالفعل لقد قدمت الطلب قبل أربعة أشهر،
ماذا تقول؟ هل تمّ قبولي؟ هل أنا موظف الآن؟
أجل، بالتأكيد صباح الغد، السابعة؟ الثامنة، بكل تأكيد الثامنة.
تأسفتُ أن صاحب المطعم هو الشخص الوحيد الذي لم يحتفل
معي بهذه البشرى.
ولكن لا يهمني، فهذا أجمل يوم في حياتي، وهو لا يعرف طعم هذا الشعور، أن تجد عملا بعد ثماني
سنوات من التخرج، ولن أتحدث عن الخمسة التي سبقتها في الكلية.
غادرت المطعم بعد أن أكملتُ عملي لآخره، فعادتي ألا
أترك ما بدأته ناقصا.
ثم توجهت للمنزل، أحمل علبة شكولاتة من أرخص الانواع لزوجتي الحبلى، وسُعدت حين تخيلت
أنه آخر يوم سأشتري لها هذه المادة البنية الرديئة.
ولا يسعني أن أشرح لكم كم أسعدها الخبر، فزغردت وغردت بالخبر لكلّ الاحباء
الخبر المنتظر قد وصل، لقد توظف أخيرا، وظيفة أحلامه.
وقد همست في أذني وبدمعة ستسقط في القريب:
"ما أجمل أن تتحول انشاء الله إلى الحمد لله"
لم أستطع النوم ليلتها، فعزمت وأنا اتأمل في السماء، أن أتفوق في هذا العمل، بل لم لا،سأرتقي
وأصبح المير أو نائبه.
ولكن الاحلام تبقى أحلام إذا لم تبللها بماء
العرق –كانت هذه مقولة والدي-
فبدأت مباشرة بالعمل، وفتحت الجوال أبحث عن المركز الذي تحتله شركتي من بين شركات البلد
وقد تفاجأت بأنها مصنفة في مراكز
متوسطة، وأنا الذي ظننت أنني سأجدها في أولى القائمة، لأن الشركة التي وظفتني هي شركة
اتصالات، وتوفر خدمات جيّدة للنت.
والنت... من فينا لا يستعمله؟
حتى الدراسة ومن أولى مراحلها أصبحت بالانترنيت، فمن
البديهي أن تكون الشركة التي تبثّه من أغنى الشركات.
وبدأت أبحث وأفتش اسأل كل المواقع: "من ذا
الذي يأخذ أكبر حصة من مال الشعب؟"
وأخذت بالبحث أميال بعيدة، لكن الإجابة
لازالت غامضة، ولم أعرف منافسي الأول.
وفي صباح اليوم التالي، غمرني استياء كبير
ويأس شديد رغم تحفيز زوجتي المتواصل.
وجلست في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة،
مبتعدا كل البعد عن التزاحم في الحافلات.
وتابعت بالفعل بحثي الناقص وأنا في السيارة، غير
مباليا بحديث السائق، ولا بالراديو أمامي... إلا أنني سمعت تعزية رئيس البلاد
المقدمة لأحد العائلات التي خسرت فقيدها.
وبعد ذلك لاحظت وأنا منخرط في القراءة أن السيارة واقفة لا تتقدم منذ فترة. فأوقفت البحث متطلعا لسبب هذه الزحمة.
وأثناء ذلك سمعت المذيعة وهي تقول: إن بلادنا من أكثر بلدان العالم التي تحرص على تطبيق احكام الشريعة الإسلامية.
وهنا وقع أمر لم يكن في الحسبان، وبدأ شجار عنيف بين سائقي السيارات الذين سببوا هذه الزحمة،
فأراد سائق سيارة الأجرة أن يلتحق بهم لكن صوتي علا عن صوته الداخلي فقلت:
"أرجوك الزم مقعدك، ولا تتدخل سأتصل بالشرطة."
ومع ذلك فتح السائق باب السيارة وبقي واقف
يراقب الاحداث من بعيد.
وبعد دقائق قليلة ردد قائلا "لاحول ولا قوة إلا بالله." وهو ينظر بعيدا، ويضرب كفا
بكف.
فسألته: ماذا حدث؟
وأجابني قائلا: لقد قتله، أخرج أحد المختصمان سكين وطعن به الآخر.
اندهشت وصحت في وجهه: وهل توفي؟
ركب السائق إلى جانبي، وأخذ هاتفه يصرّ على
سيارة الإسعاف أن تحضر.
وأجاب على سؤالي متأخرا حيث قال: لندعي له
بالشفاء، وإلّا الدّية ستكون كبيرة.
تعليقات
إرسال تعليق